ورحمة الله وبركاته



مقدمة:


القرآن الكريم كتاب الله - تعالى - ومعجزة نَبِيّه الخالدة، يعتبر أرقى وأبلغ وأفصح كلام عربي بإجماع، وهذا أمرٌ مُسَلَّمٌ به عند الجميع.




وانطلاقًا مِن هذه المُسَلَّمَة، يمكن القول بِثِقة ويَقِين: إنَّ التَّوظيف القُرآني للعناصر اللُّغَويَّة، هو أفضل توظيف، وأصلح استعمال، وذلك على جميع المستويات اللُّغَويَّة المُتَعَدِّدة؛ صوتيًّا، وصرفيًّا، ونحويًّا، ودلاليًّا، وبَلاَغيًّا.



وقد كانت - ولا زالت - جهودُ العلماء والباحثين، تسعى إلى الكَشْف عن أسْرارِ هذا التَّوظيف الرَّاقي، وخصائص هذا الاستعمال البليغ، وعلى الرَّغم من كَثْرة هذه الجُهُود، وتضافرها في تِبْيان أسرار الإعجاز القرآني، ومظاهره، وأَوْجه بَلاغته، إلاَّ أنَّها تبقى غيضًا من فيض، باعتبار القرآن لا تنقضي عجائبه، ولا تنفد خزائنه، مما يجعل المجال مفتوحًا للبحث في هذه المواضيع، والخَوْض في هذه المسائل.



وانْطِلاقًا مِن دِقَّة التوظيف القرآني، وبالتَّدقيق على المستوى الصَّوتي، يبقى السَّامع مندهشًا وحائرًا أمام ذلك التَّلاؤُم الصوتي، والتَّنَاغم الموسيقي، والإيقاع العَذْب والمُتَسَلْسِل للأحرف المنسابة داخل الأذن، ويحس بِعَظمةٍ رهيبةٍ داخل هذه المنظومة الصوتيَّة، التي تخترق سمعه، ويجد نفسه عاجزًا عن اسْتِكْناه سِر ذلك التَّناغم، وسبب ذلك الجمال والرَّوعة، والحقيقة: أنَّ معرفة أسرار القرآن على جميع المستويات - وبالأخص المستوى الصوتي - لا يكون بالتَّذَوُّق والاستيحاء، ومحاولة الإلمام بالجوانب الجماليَّة، والمُمَيزات الخصوصيَّة لِهَذا المستوى أو ذاك، بِقَدر ما يكون بالدِّراسة العلميَّة الجادَّة والموضوعية، والتي تقوم على أُسُس واضحة، ومعالم بَيِّنة، داخل أُطُر جليَّة، ومِن هنا حَاوَلْنا أن يكون بحثُنَا على هذا المستوى - أي: المستوى الصَّوتي - وداخِل هذا الإطار.



ولَعَلَّ أهم ما لَفَت انتباهنا في القرآن الكريم، وخاصَّة على المستوى الصَّوتي، كموضوع يُمْكن أن يكون مجالاً للبحث، هو: الاستعمال القرآني للأحرف العربيَّة، حيث كان حرف الظَّاء قليلَ الحَظِّ في الاستعمال والتَّوظيف، وقد كانت قِلَّتُه ملحوظةً ومثيرةً، خاصَّة على مستوى توزعه على أسماء السور، وفَوَاتحها، وخَوَاتمها، وفَوَاصلها، باعتبارها أهم مُميزات السُّورة القرآنيَّة، إضافة إلى قِلَّة الجُذُور المعجميَّة، التي دخل الظاء في تَشْكيلها، وقِلَّة الحُقُول الدلاليَّة، وليس خافيًا ما يَتَمَيَّز به الظاء عن باقي الحروف العربيَّة، من صفات، ومُمَيزات جعلته - في اللغة العربية ككل، وفي القرآن خاصة - حرفًا مميزًا وفريدًا؛ كالدُّرة بين باقي الجواهر، ولعلَّ هذه القِلَّة في الاستعمال هي التي جعلتْه حرفًا قابلاً للتناوُل بالبحث والدِّراسة، والإحاطة بِجَميع جُزئيَّات هذه الدِّراسة.



ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأنَّ البحث سيقوم على إضاءة بعض النِّقاط الخفيَّة في التَّوظيف القرآني لِحَرْف الظاء، وأهمها:


- ما أبعاد التَّوظيف القليل لِحَرْف الظاء؟


- ما مظاهر هذه القِلَّة؟


- كيف كان توزيع هذا الكم القليل منَ الظاء؟ وما مستويات هذا التوزيع؟


- كيف تَمَّ توظيف الظاء على المستوى الصَّرفي في القرآن؟


- ما التَّأثير الدلالي لحرف الظاء في القرآن الكريم؟ وما قيمه التعبيريَّة؟


- هل يمكن لهذا التوظيف أن يُمَثِّلَ وجهًا من وجوه الإعجاز الصَّوتي في القرآن؟



ومِن خلال هذه الأسئلة وغيرها المُتَفَرِّعة عنها، أمكننا أن نصوغ إشكاليَّة البحث على النحو التالي:


التَّوظيف القرآني للأحرف العربيَّة كان على أساسٍ منَ الدقة والرُّقِي، ولا شَكَّ في ذلك، فكيف يَتَجَلَّى ذلك من خلال حرف الظاء، وما مظاهر هذا التوظيف ومستوياته، وهل يُمْكِن لهذا التَّوظيف أن يكونَ مظهرًا مِن مظاهر الإعجاز الصَّوْتِي في القرآن؟



واتَّبَعْنا لِحَلِّ هذه الإشكاليَّة خطَّة تَتَكَوَّن مِن ثلاثة فصول، غير متداخلة؛ ولكنَّها مُتَرَابِطة، فتناولْنَا:


في الفصل الأول: الظاء في التُّراث العربي من حيث: صفاتها الصوتية والصَّرفيَّة، والخطيَّة، والدلالية وترتيبها ومميزاتها، وخَتَمْنا الفصل بدراسة الجذور الظَّائيَّة في المعاجم الثلاثة:"العين"للخليل، و"المقاييس"لابن فارس، و"الوسيط"لمجمع القاهرة.



وفي الفصل الثاني: تَنَاوَلْنا إشكاليَّة الضاد والظاء في التُّراث اللُّغوي، وذلك من حيث ظُهُورُ المشكلة وأصلها، وتطورها التاريخي، ومن حيثُ الحلولُ المُقْتَرَحة لها، والكُتُب المُؤَلَّفة في ذلك، وختمنا الفصل الثاني بِتَحديد انعكاسات هذه الإشكاليَّة على مستوى القرآن الكريم.



أما الفصل الثالث: وهو الجانب التَّطبيقي منَ البحث، فقد تَنَاوَلْنا فيه: مظاهر توظيف الظاء ومستوياته، مُمَهدين لذلك بدراسة سطحيَّة للكلمات الظائيَّة المُوَظَّفة في المُعَلَّقات العشر، وقصيدتي علقمة: "سمطي الدهر"، وتَنَاوَلْنا الدراسة من جانبٍ إحصائيٍّ تحليليٍّ، على المستوى الكمي الإجمالي والتفصيلي، من حيث السورُ والآياتُ والكلماتُ، والمستوى التوزيعي من حيث الظهورُ والاختفاءُ، وحسب مميزات السورة، إضافة إلى التَّوزيع الصَّرفي.


وكانتْ من جانبٍ صوتيٍّ كذلك، ويَتَعَلَّق الأمر بِمَرْتبة الظاء في الجَذْر، والأحرف المتشكلة معها، واحتمالات التشكل الصوتي للظاء، وضوابط هذا التَّشَكُّل في القرآن.


أمَّا الجانب الدلالي، فتناولنا فيه معاني الجذور، وقلَّة السياقات، وقلَّة الحُقُول الدلالية والقِيم التَّعبيريَّة، وخَتَمْنا الفصل باستخلاص عام، حَدَّدْنا فيه أهم النتائج المُتَوصل إليها.



وذَكَرْنا في خاتمة البحث النتيجة النهائيَّة، التي تَوَصَّلْنا إليها، من خلال النَّتائج الجزئيَّة لهذا البحث، وقدِ التزمنا في ذلك بتمهيد لكل فصل، لِعدم وجود تداخل بينها، و لتوضيح مدى ترابطها - رغم ذلك - وَأَرْدَفْنا كل ذلك بالإِجْرَاءات العِلْميَّة المنهجيَّة، من فهارس للمراجع، والمصادر المعتمدة في البحث، وفهارس الآيات، والأشعار المذكورة فيه، وقائمة الجداول المُثبتة.



وقدِ اعْتَمَدْنا في كلِّ ذلك المنهجين الوصفي والتاريخي، وقد تَجَلَّى المنهج التاريخي، خاصة في دراسة تطور إشكالية الضاد والظاء في التُّراث العربي، وكان الباقي من نصيب المنهج الوصفي، الذي رأيناه مناسبًا لِمِثْل هذه الدراسة وموضوعها ومخططها وهدفها، وذلك اعتمادًا على آليَّات هذا المنهج، مِن استقراء، وإحصاءٍ، ومُوَازنة، وتحليل، واستنتاج، والْتَزَمْنا بذلك في معظم مباحث الدراسة وفصولها.



ويمكن القول: إن هذا البحث، الذي لم يكن ترفًا عِلْميًّا، قد دعت إليه قلَّة المواضيع المُقْتَرَحة - قدِ اخترناه استنادًا إلى أسباب عِدَّة موضوعيَّة وذاتيَّة، أهمها:


- فَقْر المكتبة الجامعيَّة في الدِّراسات القُرآنيَّة الشَّاملة.


- قلَّة الدِّراسات المُتَعَلِّقة بالمستوى الصَّوتي.


- عدم اهتمام أغلب الباحثين بالظواهر الصَّوتيَّة الموجودة في القرآن الكريم.



وإضافة إلى هذه الأسباب، هناك مجموعة دوافع حَفَّزَتنا على اختيار هذا الموضوع ودراسته:


وأولها: الدَّافع العَقَدي الديني، والذي يعتبر المحفز والموجه الأول للإنسان في سلوكه وأعماله، ومنه فلا أعظم للإنسان مِن أن يَحْظى بِشَرف دراسة كلام الله - تعالى - وخدمته، وتقديم إنتاج ولو بسيطًا في سبيل كشف عظمته، وتحسين فهمه، وتقريبه الاستفادة منه للآخرين، ومنه وَضْع لبنة جديدة، ولو صغيرة في المنظومة البَحْثيَّة الخاصَّة بالقرآن.


والدافع الثاني: هو الرَّغبة في خدمة اللُّغة العربيَّة، من خلال الحفاظ عليها، والدِّفاع عنها بِتَقديم دراسات جادَّة وهادفة؛ انطلاقًا من خدمة القرآن الكريم؛ لأنَّه سبب بقائها وخُلُودها، وخاصَّة في هذا العصر الذي تواجه فيه لغة القرآن أشد التَّحديات، وأقوى المُوَاجهات، وأشْرَس الهَجَمات.



ويمكن أيضًا أن نَتَكَلَّم عنِ الدَّافع العِلْمي والأخلاقي، وذلك انطلاقًا مِن موقعي كباحث في الدراسات اللغويَّة النَّظريَّة، مما يُحَتِّم عليَّ أن أتحملَ جزءًا من مسؤولية البحث اللُّغوي، إضافةً إلى الفُضُول العلمي، وحُب البحث، خاصَّة فيما يَتَعَلَّق بهذا النوع منَ البحوث، والذي يختص بالدِّراسات القُرآنيَّة.



وبحثنا هذا - فيما يخص طبيعته وأهميته - يدخل في إطار الدِّراسات اللُّغويَّة، التي تهتم بالجانب اللُّغوي منَ النُّصوص، وهو ذو طبيعة إحصائيَّة تحليليَّة، وتكون دراسته على المستوى الصَّوتي والصَّرفي والدلالي، كما يمكن اعتباره منَ الدِّراسات القرآنيَّة؛ لأنه يستخرج منَ القرآن مدونته، وَيَتَّخذ من سوره وآياته مجالاً لِتَطْبيقاتِه، ومنَ المُؤَكَّد أنَّ أيَّ بحث لُغَوي يتحرى فيه الصِّدق والموضوعيَّة والإخلاص، سيكون على جانبٍ منَ الأهمية، سواء على مستوى الشَّكل والمنهجيَّة، من حيث احترام معايير البحث، والخطوات الإجرائيَّة لإِنْجازه، أم على مستوى المضمون من نتائج جديدة، تحل إشكالاً عالقًا، أو تضيف جديدًا لا زال مجهولاً، أو تكشف النِّقاب عن قديم كان مغمورًا، و قد أخَذْنا في هذا البحث بِعَيْن الاعتبار والاهتمام كل هذه الاعتبارات، وحَاوَلْنا أن نجعلَ البحث ذا أهمية وفوائد عِدَّة على مستوى الشَّكل والمضمون، وقد يكون البحث خطوة جديدةً على طريق حلِّ الإشكال المطروح، وهو كشف أسرار التَّوظيف القرآني لحرف الظاء، وإثبات الإعجاز الصَّوتي للقرآن، انطلاقًا من هذا التَّوظيف.



و لا أنسى في الختام أن أَتَقَدَّمَ بِعَظيم الشُّكر القَلْبِي الخالص، أولاً للأستاذ المُشْرِف الفاضل الدكتور/ محمد الحباس، على صَبْره الجميل والطويل على تَمَاطلنا وتأخرنا أحيانًا لِظُروفنا الخاصَّة، التي واكبت إنجاز هذا البحث، ثم إلى كل مَن أعاننا من قريب، أو من بعيد، بقليل أو كثير، ونرجو صادقين أن لا يكون في قراءته إهدار للوقت والجهد، بل الفائدة والإفادة، وبالله التوفيق.


و آخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.

الطالب: أحمد سعدون.










الجزء الأول​






ورحمة الله وبركاته


الجزء 2




ورحمة الله وبركاته

الجزء الثالث





ورحمة الله وبركاته

الجزء الأخير







 

ابو نضال

:: العضو المميز لشهر 6 لعام 2010 ::
رد: توظيف حرف الظاء في القرآن/رسالة كاملة

اعزك الله واكرمك اخى العاشق ونفع الله بكم وبورك لكم وجعله الله فى ميزان حسناتكم وجزاكم الله خيرا على ما تقدموه من افكار وموضوعات قيمة وفتح عليكم وتقبل منكم اعمالكم واثابكم وثقل موازينكم وجعل الجنة هى داركم واكرم الله الشيخ المنشاوى رحمه الله كما عرفنى بصحبة هذا المنتدى الاخيار آمين
 

مسلمة لله

:: مـــراقــبــة عـــامـــة ::
رد: توظيف حرف الظاء في القرآن/رسالة كاملة


بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا

شكرا جزيلا .



 

بهاء الدين

:: مشرف قسم الشيخ محمود المنشاوي ::
رد: توظيف حرف الظاء في القرآن/رسالة كاملة

موضوعك جميل ياخى الكريم بارك الله فيك وفى اهلكوجميع المسلمين
اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على اله و صحبه اجمعين ومن تبعه باحسان الى يوم الدين​
 

محمد عاطف سالم

@ الـمـديـر الـعـام @
رد: توظيف حرف الظاء في القرآن/رسالة كاملة

جزاكم الله خيرا وحفظكم وبارك فيكم
وفقكم الى ما يحبه ويرضاه
 

الظواهرى

:: مشرف قسم الصور والتصميم :::
رد: توظيف حرف الظاء في القرآن/رسالة كاملة

جزاك الله اخى الكريم كل خير
 

عبدالله محب المنشاوي

:: مشرف قسم العلوم القرآنية :: , المشرف المميز لش
رد: توظيف حرف الظاء في القرآن/رسالة كاملة

بارك الله فيكم
و جزاكم الله خيراً
و أحسن الله إليكم
و رزقكم الفردوس الأعلى
 

أعلى
نعتذر لك

حقا الإعلانات مزعجة!

بالتأكيد ، يقوم برنامج مانع الإعلانات بعمل رائع في حظر الإعلانات لدينا، والتى هى مصدر دعم لاستمرار موقعنا، قد يتسبب في حظر أيضًا الميزات المفيدة لموقعنا. وللحصول على أفضل تصفح، يرجى تعطيل AdBlocker الخاص بك.

نعم أتفهم هذا وأقدر وسأقوم بتعطيل مانع الإعلانات